الشيخ محمد هادي معرفة
127
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وأيضا فلولا العصمة الملحوظة في أداء رسالة اللّه ، لزالت الثقة بالدين ، ولأخذت الشكوك مواضعها من أحكام وتكاليف وشرائع يبلّغها النبيّ صلى الله عليه وآله عن اللّه تعالى ! ! وامتدادا لجانب عصمته صلى الله عليه وآله وأن لا سبيل لإبليس إلى شأن من شؤونه المعتصمة بعصمة اللّه تعالى ، قال : « من رآني فقد رآني فإنّ الشيطان لايتمثّل بي » . « 1 » وقد فهم العلماء من هذا الحديث قاعدة كليّة : لا يستطيع إبليس التمثّل بأيّ وليّ من أولياء اللّه العباد المخلصين ، وبالأحرى : عدم استطاعته التمثّل بجبرائيل ، ملك الوحي المقرّب الأمين ! ! إذن فأنّى لإبليس التلاعب بوحي السماء ، أو أن ينتحل صورة رسول من رسل اللّه الأكرمين ! كلّا ، « لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ » . « 2 » 3 - تهافته مع آي السورة قال القاضي عياض - أيضا : « ووجه ثان ، وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا وذلك أنّ هذا الكلام لو كان - كما روي - لكان بعيد الالتئام ، متناقض الأقسام ، ممتزج المدح بالذمّ ، متخاذل التأليف والنظم ، ولما كان النبيّ صلى الله عليه وآله ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممّن يخفى عليه ذلك . وهذا لا يخفى على أدنى متأمّل ، فكيف بمن رجح حلمه واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه » . « 3 » أفهل يتصوّر بشأن النبيّ محمد صلى الله عليه وآله وهو العارف بمواقع الكلام ، الناقد لأفصح أقوال العرب الفصحاء ، أن يلتبس عليه شأن كلام ساقط ، لا يتناسب وسائر جمل وآيات كانت تنزل عليه حينذاك ؟ ! أم كيف ينسجم ما ذكروه مع قوله تعالى : « إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ » « 4 » أم كيف يقتنع المشركون - وهم أهل نقد وفصاحة - بتلك المجاملة المفضوحة : يقترن مدح مشكوك ، بذلك القدح الصارم ، ليأخذوه تقاربا
--> ( 1 ) - صحيح مسلم ، ج 7 ، ص 54 . ( 2 ) - الصافات 8 : 37 . ( 3 ) - الشفا ، ج 2 ، ص 119 . ( 4 ) - النجم 23 : 53 .